محمد هادي معرفة

110

التفسير الأثري الجامع

ورواه العيّاشيّ أيضا إلى قوله : وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ « 1 » . [ 2 / 5313 ] وروى الكليني بالإسناد إلى معاوية بن عمّار ، قال : « سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عمّن قتل رجلا في الحلّ ثمّ دخل الحرم ؟ قال : يضيّق عليه حتّى يخرج فيقام عليه الحدّ ! قال : قلت : فما تقول فيمن قتل في الحرم أو سرق ؟ قال : يقام عليه الحدّ في الحرم ، لأنّه لم ير للحرم حرمة ، وقد قال تعالى : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ . قال : هذا هو في الحرم . قال تعالى : فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ » « 2 » . قال الطبرسي - في قوله تعالى : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا - : روي عن أئمّتنا عليهم السّلام أنّ هذه الآية ناسخة لقوله تعالى : كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ « 3 » . وكذلك قوله تعالى : وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ناسخ لقوله : وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ « 4 » « 5 » . * * * قلت : هناك فرق بين النسخ بمعناه المصطلح ، وهو إبطال حكم سابق رأسا وإبداء حكم جديد . والنسخ بمفهومه اللّغوي العام ، وهو مطلق التغيير في الحكم السابق ، بتقييد أو تخصيص ونحو ذلك ، ومنه التدرّج في التشريع ، من أخفّ إلى أثقل تدريجا حتّى يبلغ الكمال . وذلك كما في تشريع المنع عن الخمر تدريجا حتّى صدر الحكم بالمنع من شربها بتاتا . وهكذا مسألة التعرّض للمشركين المناوئين للإسلام . فأوّلا جاء النهي عن مكافأتهم ، نظرا لمكان ضعف المسلمين . ثمّ جاء الترخيص في مقابلتهم شيئا فشيئا ، حتّى صدر الأمر بمناجزتهم مناجزة استئصال . وهذا من نوع التشريع المدرّج ، وكانت مقاطع التدريج ، كلّ مقطع نسخا لما قبله ، وقد اصطلحنا عليه بالنسخ المشروط . حيث لو أعيدت الحالة السابقة - لا سمح اللّه - كان التكليف هو ما يخصّه من الحكم المناسب له . وقد شرحنا هذا الجانب في مسألة النسخ في « التمهيد » « 6 » .

--> ( 1 ) العيّاشيّ 1 : 105 / 216 . ( 2 ) الكافي 4 : 227 / 4 ؛ البرهان 1 : 419 / 2 . ( 3 ) النساء 4 : 77 . ( 4 ) الأحزاب 33 : 48 . ( 5 ) مجمع البيان 2 : 29 . ( 6 ) راجع : التمهيد 2 : 263 - 291 .